عندما تعلّمت ياماها المقام العربي: حكاية PSR-62 وبداية الأورغ الشرقي
عندما نقول اليوم Yamaha، نفكر مباشرة في البيانو والأورغات والكيبوردات والسنثسايزر. لكن المثير أن قصة ياماها نفسها بدأت أصلًا من الأورغ.
في سنة 1887 قام توراكوسو ياماها بإصلاح أورغ مكسور في إحدى المدارس اليابانية، ثم درس طريقة عمله وصنع أورغًا بنفسه. ومن هذه البداية تأسست لاحقًا شركة Nippon Gakki، التي أصبحت بعد ذلك Yamaha Corporation.

بعد ذلك دخلت ياماها عالم الآلات الإلكترونية، وفي سنة 1959 قدمت أول أورغ إلكتروني لها تحت اسم Electone D-1. وفي فترة كانت فيها الصمامات الإلكترونية، أو ما نعرفه باسم التيوب، جزءًا أساسيًا من كثير من الأجهزة، ساعد الانتقال إلى الترانزستور على جعل الإلكترونيات أصغر وأكثر عملية.
ومع تطور التكنولوجيا خلال السبعينيات والثمانينيات أصبح الكيبورد أخف وأسهل في الحمل، واشتدت المنافسة بين ياماها وكاسيو وغيرها من الشركات اليابانية. كل شركة كانت تحاول أن تقدم أصواتًا أكثر، وإيقاعات أفضل، ومرافقة آلية تجعل العازف الواحد أقرب إلى فرقة كاملة.
الموسيقى العربية لا تكفيها مفاتيح البيانو
لكن في الشرق الأوسط كانت هناك مشكلة مختلفة. البيانو التقليدي يقسم الأوكتاف إلى 12 نغمة ثابتة، بينما تحتاج مقامات عربية مثل البياتي والراست والسيكاه والصبا إلى درجات صوتية لا تظهر بصورة مباشرة على مفاتيح البيانو.
عازف العود أو الكمان يستطيع الوصول إلى هذه الدرجات بحرية أكبر، أما الكيبورد فهو مقيد بمفاتيحه. ومن هنا ظهرت الفكرة المهمة: بدل أن يتأقلم العازف العربي مع الكيبورد، لماذا لا يتأقلم الكيبورد مع الموسيقى العربية؟
1986: Yamaha PSR-62
في سنة 1986 أطلقت ياماها جهاز PSR-62. وتصفه ياماها بأنه أول كيبورد لها ضمن فئة World Music، وكان من الأجهزة التي صُممت بوضوح لتلائم موسيقى الشرق الأوسط.

ولم يكن مجرد كيبورد عادي أضيفت إليه أصوات شرقية. كان فيه قسم خاص لتغيير السلم الموسيقي، بحيث يستطيع العازف خفض نغمات محددة للوصول إلى الدرجات التي يحتاجها المقام. كما أضافت ياماها تحكمًا أدق بالدوزان وإمكانية حفظ أكثر من إعداد للسلم والتنقل بينها أثناء العزف.
اليوم قد يبدو هذا أمرًا عاديًا، لكننا نتحدث عن جهاز صدر سنة 1986. هنا بدأت ياماها تأخذ احتياجات العازف في المنطقة بجدية، ليس فقط من ناحية الأصوات، بل من ناحية طريقة عزف الموسيقى نفسها.
القانون الذي بقي في الذاكرة
الـPSR-62 لم يكن مميزًا فقط بسبب ضبط المقامات. كان فيه عدد من الأصوات التي علقت في ذاكرة من عاشوا مع الجهاز، ومن أشهرها القانون، إضافة إلى الساكسفون، الكمنجات، الأكورديون، النحاسيات والأوبوا.
هذه الأصوات لا تقارن من ناحية الواقعية بما لدينا اليوم من مكتبات عينات ضخمة، لكنها كانت تحمل شخصية واضحة جدًا. أحيانًا تسمع صوتًا من أورغ قديم وتتعرف عليه فورًا، حتى قبل أن ترى الجهاز.
والإيقاعات كانت نصف المتعة
أي شخص عاش مع أورغات تلك الفترة يعرف أن القصة لم تكن أصواتًا فقط. بحسب قاعدة بيانات DemoDB، احتوى PSR-62 على 16 إيقاعًا، منها أربعة إيقاعات شرقية، إلى جانب وظائف مثل التنويعات والـFill والمقدمة والنهاية والتصفيق.
تشغل الإيقاع، تختار الصوت، وتبدأ تعزف. وبالنسبة للعازف في منطقتنا، كان وجود الإيقاع الشرقي مهمًا بقدر وجود المقام نفسه؛ لأن الجهاز لم يعد فقط قادرًا على عزف النغمة المناسبة، بل بدأ يتكلم بلغة الموسيقى التي يعرفها العازف.
وأنا كان عندي PSR-62
وهنا تصبح القصة شخصية بالنسبة لي. أنا كان عندي Yamaha PSR-62.
لكن وقتها لم أكن أعرف أن لهذا الجهاز أي أهمية تاريخية. بالنسبة لي كان ببساطة الأورغ الذي أعزف عليه: أجرب القانون، الساكسفون، الكمنجات، وأتنقل بين الإيقاعات والأصوات.
والغريب أنني لم أكتشف أهمية الجهاز إلا بعد سنوات طويلة. لم أكن أعرف أن الأورغ الذي أمامي يمثل واحدة من أولى خطوات ياماها الحقيقية في بناء خط مخصص لموسيقى الشرق الأوسط.
وهذا ربما أجمل شيء في الآلات القديمة: أحيانًا نحتفظ بذكرى جهاز لأننا أحببنا صوته فقط، ثم نكتشف بعد سنوات أننا كنا نستخدم قطعة صغيرة من تاريخ الموسيقى الإلكترونية.
بعد PSR-62
نجاح الفكرة شجع ياماها على تطويرها. وفي سنة 1990 ظهر PSR-64، والذي تصفه ياماها بأنه الجيل الثاني من أجهزتها الخاصة بالشرق الأوسط. أضاف الجهاز ستة Pads للإيقاع، ومع وظائف الـVariation أمكن استخدام عدد أكبر من أصوات الآلات الإيقاعية، ومنها الطبلة والدفوف.

ثم ظهرت لاحقًا أجهزة حملت حرف A مثل PSR-A3، وبعدها PSR-A1000 وPSR-A2000 وPSR-A3000، وصولًا إلى PSR-A5000. ومع كل جيل أصبحت الأجهزة أكثر تخصصًا: أصوات عربية وشرقية أفضل، إيقاعات خليجية وشامية ومصرية ومغاربية وتركية وفارسية أكثر، وتحكم أكبر بالمقامات والأداء الحي.

لماذا يبقى PSR-62 مهمًا؟
ليس لأنه أقوى أورغ صنعته ياماها، وبالتأكيد ليس لأنه يملك أفضل الأصوات إذا قارناه بأجهزة اليوم. قيمته في شيء آخر: أنه يمثل بداية خط ياماها الحقيقي المخصص للشرق الأوسط.
قبل ذلك كان على العازف أن يحاول التأقلم مع الكيبورد. مع هذه الأجهزة بدأت الآلة نفسها تتغير لكي تتأقلم مع موسيقانا.
والجميل أن قصة ياماها بدأت سنة 1887 من رجل يصلح أورغًا في مدرسة يابانية، وبعد قرابة مئة سنة كان مهندسوها يحاولون حل سؤال مختلف تمامًا: كيف نجعل الكيبورد الياباني يعزف مقامًا عربيًا؟
وكان PSR-62 واحدًا من أهم الإجابات المبكرة على هذا السؤال.
وبالنسبة لي، هناك جانب يجعل القصة أجمل: أحد الأجهزة التي كانت جزءًا من بدايتي مع الموسيقى، كان هو نفسه جزءًا من بداية ياماها مع الأورغ الشرقي.